Wednesday, March 13, 2019

بين الفلسفة والفكرة الفلسفية

بين الفلسفة والفكرة الفلسفية:

الفكرة الفلسفية: هي فكرة، هي جملة أفادت معنى، وتحتاج لتصديقها أو تكذيبها، أو نفيها أو إثباتها، من خلال البحث والتأمل الفلسفي.

الفلسفة: هي باعتبارٍ ما نسق فلسفي. تشمل كل أو معظم مناحي الحياة والوجود.

الفلسفات بين فلسفة فاسدة وفلسفة صحيحة وفلسفة أصحّ.

النسق الفلسفي: هو مجموعة من الأفكار الفلسفية المترابطة، تتراصّ وتصطف بجانب بعضها البعض لتكون فلسفة الفيلسوف.

الأنساق الفلسفية بين نسق صحيح ونسق أصح.


الأصل في الأنساق، بما هي أنساق، أن تكون مترابطة. لكن أحيانًا يوجد نسق غير مترابط كليًّا أو جزئيًّا.


الفيلسوف: هو الذي يكون له نسق فلسفي، وليس مجرد بعض الأفكار الفلسفية.

[الفيلسوف] الذي يدندن حول فكرة فلسفية أو بعض الأفكار الفلسفية، ولا يتخطاها ليُكوِّن نسق فلسفي متكامل، لا يستحق لقب فيلسوف. بل هو [مفكر] أو [صاحب أفكار فلسفية].

كثير ممن يُدعون فلاسفة لا يستحقون لقب فيلسوف. لأنهم يدندنون حول عدد قليل من الأفكار الفلسفية غير المترابطة، والتي لا يمكنها تشكيل نسق فلسفي.

[المفكر] قد يكون دوجماتيك [عقائدي]، وقد يكون ذو عقلية فلسفية.

[الفيلسوف] قد يكون نسقه الفلسفي صحيح ومترابط ترابط كلي. وقد يكون نسقه الفلسفي به ثغرات. لكن علي أيّ حال يُطلَق عليه فيلسوف.

الأفكار الفلسفية تتلاقح فتظهر الفكرة الصحيحة.

الفلسفات تتلاقح فتظهر الفلسفة الصحيحة.

الأنساق الفلسفية تتلاقح فيظهر النسق الأصح.

[فيلسوف] هو أعظم لقب تشريفي يمكن أن يحصل عليه موجود.


قد توجد فكرة فلسفية في الفلسفة تشكك في كون الفيلسوف فيلسوف حقًّا، بل تجعلنا نشك في كونه شخصية تاريخية.

أفلاطون له فلسفة. إلا أن له فكرة فلسفية تجعلنا نشك في كونه فيلسوف حقًا، أو في كونه شخصية تاريخية.

هذه الفكرة الفلسفية هي [شيوعية النساء] بين طبقة [الحراس] وهُم [الجند والحكام]. الحكام=الفلاسفة.

تخيلوا: فيلسوف حاكم يتردد على المواخير وبيوت الدعارة، وليس له زوجة. أفراد الشعب الأدنى درجة، كالصناع والحرفيين والزراع يعرفون الزواج. أما الفيلسوف الحاكم، الذي من المفروض أن يكون عالمًا بقيم الجمال ومفهوم الإتحاد بالجمال وبالإنسان كقيمة وبالقيمة فيعيش حياته الجنسية في المواخير ودور الدعارة.

هذه الفكرة الفلسفية الشاذة، تطيح بنسقه الفلسفي، وتنزع منه لقب فيلسوف، بل تجعلنا نشك في كونه شخصية تاريخية.

لعل قائلًا يقول:

إن الزنا والدعارة والزواج كانوا شائعين جنبًا إلى جنب في زمن أفلاطون، فلم لا يتم اعتباره تبنى هذه الفكرة على ما هو شائع في زمنه؟. فهي ليست فكرة شاذة.

نقول:

لماذا لم جعل الشيوعية في النساء في طبقة الحراس [جند وحكام]، ولم يجعلها في كافة الشعب: حكام ومحاربين وعامة وعبيد؟!.

سيقول قائل: إنه جعل الشيوعية في هاتين الفئتين فقط حتى يتفرغوا لرعاية الشعب. وذلك كما هو واضح تعليل ساذج.
لماذا يُكلف الكاملون أنفسهم برعاية الشعب الناقص. فليعزلوا أنفسهم عن الشعب الناقص، ويتزوجوا حسب الفطرة. أو لعل مفهوم الفطرة مفهوم ساذج؟!!!.

الفكرة [فكرة شيوعية النساء] لطبقة الفلاسفة والمحاربين، هي فكرة شاذة بكل المعايير.

إنه لم يفهم الحقيقة على ما هي عليه.

هل من الممكن أن يُشيع الله الإباحية، أو يسمح بشيوعها؟!.

أفلاطون كان يؤمن بالألوهية وبعالم الأفكار، عالم المثل. فكان حري به أن يدله تأمله الفلسفي إلى نقض الأعراف الشاذة التي تناقض الفطرة.

لكن بشكل عام كان لأفلاطون نسق فلسفي مترابط في معظمه.

فكرة شيوعية النساء تجعلنا نشك في كونه شخصية تارخية.


أرِسطو له [هو أيضًا] فلسفة، فيمكن أن نطلق عليه فيلسوف. أيْ هو أكبر من أن يكون مجرد مفكر.

لا يهم إن كانت الأفكار الفلسفية في نسقه الفلسفي مطابقة للواقع ام لا، كلها أو بعضها. فهو يُطلق عليه فيلسوف ذو فلسفة، ويُطلق على فلسفته الفلسفة الأرِسطية أو الفلسفة المشائية.

وهكذا فإن الفلسفة التي تدندن حول فكرة فلسفية واحدة أو فكرتين أو ثلاثة لا يصح تسميتها فلسفة، ذات نسق فلسفي. فمثلًا:

الظاهراتية ليست فلسفة

الواقعية ليست فلسفة

المادية ليست فلسفة

المثالية [الفكرانية] ليست فلسفة

الوجودية المؤمنة ليست فلسفة

الوجودية الملحدة [العدمية] ليست فلسفة

النفعية ليست فلسفة

مذهب المتعة ليس فلسفة

الشيوعية ليست فلسفة.........إلخ إلخ إلخ إلخ.

كل هذه ليست فلسفات وإنما أفكار فلسفية.


الأفلاطونية فلسفة

المشائية فلسفة

الرواقية فلسفة

الأفلاطونية المحدثة فلسفة

الكانتية فلسفة

الهيجلية فلسفة..........إلخ إلخ إلخ إلخ.

كل هذه فلسفات لأنها أنساق فلسفية [مترابطة أو غير مترابطة]، وليست مجرد أفكار فلسفية.

الفيلسوف الذي يدندن حول فكرة أو فكرتين أو ثلاثة لا يعتبر فيلسوف وإنما صاحب فكرة أو صاحب أفكار أو مفكر:

كيركيجارد... ليس فيلسوف لأن الفكرة التي يدندن حولها، وهي الوجودية [المؤمنة] ليست فلسفة وإنما فكرة أو بعض الأفكار الفلسفية.

جان بول سارتر... ليس فيلسوف، لأن الفكرة التي يدندن حولها، وهي الوجودية [الملحدة] ليست فلسفة، ليست نسق فلسفي [مترابط أو غير مترابط]، وإنما هي فكرة أو بعض الأفكار. لربما اعتُبر مفكر أو صاحب فكرة...لكن من حيث كونه يصطدم مع الفطرة فيمكن اعتباره [مدعي فلسفة].

جورج بيركلي... صاحب المثالية [الفكرانية] ليس فيلسوفًا وإنما هو مفكر، أو صاحب أفكار فلسفية. وإن كانت فكرته: [الله+البشر]=مكونات الوجود.....هي فكرة غاية في الأهمية، لكنها فكرة وحيدة.
ربما يوجد بجانبها بعض الأفكار، لكنها أولًا وأخيرًا هي [بعض الأفكار].

هيجل... فيلسوف صاحب نسق فلسفي ذو أفكار كثيرة مترابطة. فإطلاق لفظ [الفلسفة الهيجلية] صحيح بنسبة 100%.

كانت... فيلسوف، صاحب نسق فلسفي. وإطلاق لفظ الفلسفة الكانتية صحيح.

الخلاصة:

1-    ليس كل من أتى بفكرة أو بعض أفكار فلسفية يُطلق عليه فيلسوف.

2-    هناك فرق كبير بين الفلسفة والفكرة الفلسفية.

3-    الفلسفة تُنسب في الغالب إلى الأشخاص. فتقول:

-         الفلسفة الأفلاطونية
-         الفلسفة الأرِسطية
-         الفلسفة الأفلاطونية المحدثة
-         الفلسفة الكانتية
-         الفلسفة الهيجلية.

وقد تُنسب الفلسفة إلى مكان أو صفة. فتقول:

-
الفلسفة الرواقية
-
الفلسفة المشائية


المقولات هي كالتالي:

فكرة فلسفية ثم أفكار فلسفية ثم فلسفة ثم نسق فلسفي غير مترابط ثم نسق فلسفي مترابط.

الفلسفة والنسق الفلسفي غير المترابط والنسق الفلسفي المترابط، كلها يُطلق عليها فلسفة.


إلى هنا انتهى المقال.

أرجو أن يعود المقال بالنفع على الإخوة القراء.

أرجو ألا أكون قد أطلتُ...وشكرًا.

صلاح الحريري.


.

Thursday, March 7, 2019

الحقيقة نسبية أم مطلقة؟


الحقيقة نسبية أم مطلقة؟


في الواقع، لا يوجد فريقين: فريق يتبنى نسبية الحقيقة، وفريق يتبنى مطلقية الحقيقة. بل هما ثلاث فرق في الواقع:

- الحقيقة نسبية، فما هو حقيقة بالنسبة لك قد لا يكون حقيقة لآخر. وكلاهما على صواب.

- الحقيقة مطلقة، لأن الحقيقة بما هي حقيقة لا بد أن تكون مطلقة.

- لا حقيقة على الإطلاق، والوجود عبث ومُتَع، ولا شئ أكثر من ذلك وهؤلاء هم العدميون.

أحيانًا يدّعي بعض العدميين الذين لا يؤمنون بأي حقيقة على الإطلاق، يدعون بأنهم يؤمنون بنسبية الحقيقة. وفي الواقع هم لا يؤمنون بأيّ حقيقة أو بأيّ مفهوم للحقيقة على الإطلاق.

هؤلاء العبثيون، العدميون، المُتَعيون أحياناً، إمعانًا في التدليس، يدّعون بأنهم وجوديون.

فينبغي قبل السؤال: الحقيقة نسبية أم مطلقة؟ أن يتم السؤال: هل تُقر بأن هناك حقيقة في الأساس؟.

للبت في هذه القضية: هل الحقيقة نسبية أم مطلقة؟ نفضل أن نثير عدة تساؤلات، ومن خلال مناقشة هذه التساؤلات، ومحاولة الإجابة عليها سيستبين الأمر، وسيتضح هل الحقيقة نسبية أم مطلقة. فنقول:

هل معنى [الحقيقة نسبية] لمن يتبنى هذا المبدأ، هو تنوع الحقيقة لاختلاف وجهات النظر؟. أم أن هناك أنماط حقائقية متنوعة يختار منها كل شخص حسب وجهة نظره؟!.

وبالتالي الجنس في إطار الزواج حقيقة، والجنس في إطار الزنا حقيقة، ومن ثم يختار كل شخص ما يوافق وجهة نظره؟!.


هل المجتمع التسارقي حقيقة ونمط، والمجتمع اللاتسارقي حقيقة ونمط، ومن ثم يختار كل شخص ما يوافق وجهة نظره؟ لأن الحقيقة لها أنماط مختلفة ونسبية؟!.

مجتمع تسارقي=لا يعتبر السرقة جريمة

السرقة=الربا
=التجارة
=السرقة بمعناها الحرفي
=العمولة، البقشيش


هل ممارسة الجنس مع الأم أو الإبنة حقيقة ونمط، ومفهوم [المحارم] هو أيضًا حقيقة ونمط، ومن ثم يختار كل شخص ما يوافق وجهة نظره. لأن الحقيقة نسبية، ما هو حقيقة عندك قد يكون حقيقة عندي وقد لا يكون. وكلا النمطين له وجود في الواقع الخارجي؟!.


هل من حق الشخص الذي يُقر بأن الحقيقة نسبية أن يمارس الجنس مع أمه أو إبنته، وله سند يؤيده وهو عالم الحيوان، حيث الأسد يمارس الجنس مع اللبؤات التي كانت بناته، كما يمكنه أن يمارس الجنس مع اللبؤة التي كانت أمه؟، فهو يتشبه بالأسد: الحيوان القوي، ملك الغابة!!!.

هل سيقول الشخص الذي يقول بأن الحقيقة نسبية، هل سيقول: لو وجِد شخص يعتقد بجواز زنا المحارم، فهذا الأمر حقيقة بالنسبة له؟


هل لو وجِد شخص مؤمن بالثنوية [إلهيْن للخير والشر]، وهو يقدس إله الشر، ويتقرب إليه بفعل الشرور: سرقة، زنا، اغتصاب، شرب خمر، شرب مخدرات، التضييق على الناس إلخ إلخ إلخ، فهل هذا حقيقة بالنسبة له؟.
وبناءً عليه لا يصح سن قوانين عقوبات؟.


هل معنى أن الحقيقة نسبية، أن من اعتقد بوجود قوة تمثل الشر كونيًا، فأنه في العالم الخارجي [خارج حدود ذاته] يوجد فعلاً قوة كونية تمثل الشر؟، ومن اعتقد بأنه لا توجد قوة كونية تمثل الشر، وبأن الوجود خير محض، هو أيضًا، في نفس اللحظة، هذا المبدأ الذي يتبناه هو حقيقة بالنسبة له، وله وجود في العالم الخارجي [خارج حدود ذاته]...كلا المبدأين صحيح، وله وجود في العالم الخارجي، في نفس اللحظة...أي أنّ قوة الشر موجودة وغير موجودة في نفس اللحظة؟.

أم أن أحدهما على صواب والآخر على خطأ؟.


هل ما رأيتَه حقيقة فهو حقيقة؟ أم يوجد أنماط مختلفة للحقيقة تعادل الأنماط البشرية؟ أي ليست حقيقة واحدة بل آلاف الحقائق؟


من وجهة نظري أن الحقيقة مطلقة، لأن الحقيقة بما هي حقيقة لا بد أن تكون مطلقة.

لكن طبيعة الحقيقة المطلقة تشتمل على قِسمَيْن:

1- الحقائق الأمهات: وهي التي يندرج تحتها كل الجنس البشري.

2- الحقائق الفرعية [الأنماط]: وهي التي تتعدد حولها وجهات النظر. وهي التي أوقعت في وهم نسبية الحقيقة.

وعلى هذا، وبهذا يكون للحقائق الفرعية [الأنماط] وجود في العالم الخارجي [خارج حدود الذات].

الحقائق الفرعية [الأنماط] هي التي أوقعت في وهم نسبية الحقيقة.


أقول:

هل مفهوم الفطرة صحيح؟.

هل مفهوم [على الفطرة] صحيح؟.

هل هناك ضعف أخلاقي ونفسي وسَفَه؟؟. أم الضعف الأخلاقي والنفسي والسفه هي أنماط حقائقية وليست أمراض نفسية؟؟!.

بمعنى آخر:

ما هو المعيار الذي على أساسه صاحب نسبية الحقائق يقول: هذا مرض نفسي، بينما هذا حقيقة نسبية؟

نيتشه يقول: الأخلاق المسيحية شر، والأخلاق الإسلامية خير. فهل هو فيلسوف أم سفيه أم مريض نفسي؟.


هل إذا اعتقد شخص أن القتل وذبح البشر واغتيال البشر جائز، لأنه يؤمن بأن الوجود خير وشر، وهو اختار حسب حرية الإختيار، اختار أن يخدم قوى الشر، كما أنه يؤمن بإعادة التجسد، وبناءً عليه إزهاق الأرواح يساعدها على الولادة الجديدة. هل هذا الإعتقاد حقيقة بالنسبة لذلك الشخص؟. وإذا اعتقد شخص بعكس ذلك، فهل لنا أن نفصل بينهما فننشئ دُوَل تقر إزهاق الأرواح ودول لا تقر ذلك، فيذهب كل شخص ويعيش في الدولة المناسبة له؟!.

وننشئ باقات من الدول:

- باقة: قتل+سرقة+زنا+حشيش+ماريجوانا
- باقة: سرقة+زنا+حشيش+ماريجوانا
- باقة: زنا+حشيش+ماريجوانا
- باقة: حشيش+ماريجوانا
- باقة: نقاب+لحية+رجم الزاني+الصلوات الخمس+الحسبة
- باقة: حجاب+لا لحية+تعزير وجلد الزاني+الصلوات الخمس+الحسبة
- باقة: شادور+لحية+تعزير الزاني+الصلوات الخمس+الحسبة
- باقة: علمانية+زنى
- باقة: علمانية+لا زنى

بما أن الحقيقة نسبية، فيختار كل شخص الباقة التي تناسبه.

طريفة:

هل جملة أوعبارة [الحقيقة نسبية] لو أقرها شخص فهي حقيقة له، ولو أقر بضدها [ضدها= جملة أو عبارة (الحقيقة مطلقة)] شخص آخر فهي حقيقة بالنسبة له، هذا عند من يقول بنسبية الحقيقة؟!.

أيْ أن الحقيقة نسبية ومطلقة، في ذات اللحظة، عند من يقول بنسبية الحقيقة!!!.

الخلاصة:

الحقائق الفرعية= الأنماط

الحقائق الفرعية هي التي أوجدت وهم نسبية الحقيقة عند كثير ممن يقولون بنسبية الحقيقة.

الحقائق الفرعية=الصراطات المستقيمة

يقول الحق: [وأهديك صراطًا مستقيمًا]، لم يقل: [وأهديك الصراط المستقيم].

يقول الحق: [ولهديناهم صراطًا مستقيمًا]، لم يقل: [ولهديناهم الصراط المستقيم].

ويقول الحق: [لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا].


أرجو أن يعود المقال بالنفع على الإخوة القراء.

أرجو ألا أكون قد أطلتُ...وشكرًا.
صلاح الحريري.


Monday, February 18, 2019

فتاوى الموقع الشهير -7- معضلة منطقية في سورة الرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم. الإخوة الأعزاء، سنتكلم في هذا المقال، مقال [7]، من سلسلة مقالات [فتاوى الموقع الشهير]، عن معضلة منطقية وردت في سورة الرحمن. وسأورد رأيي في المعضلة، ثم أعقب في نهاية المقالة على إجابة الموقع الشهير.

المعضلة هي:

كيف يعود الضمير على ما لم يتم إظهاره أولاً؟!. وقد أشار إلى هذه المخالفة المنطقية في سورة الرحمن الأستاذ أحمد قبانجي في إحدى ندواته. كيف يقول [فبأيّ آلاء ربكما تكذبان] في آية [13]، وهو لم يذكر كلمتيّ [الإنس والجِنّ] قبل تلك الآية؟. كيف؟!!.

رأيي في هذه المعضلة هو أن لفظ [الإنسان] يشمل [الإنس والجن والملائكة]، فهم ثلاثة أصناف من البشر.

يؤيدني فيما ذهبت إليه قوله تعالى في سورة الناس [الذي يوسوس في صدور الناس  .  من الجِنّة والناس]، فقوله: [في صدور الناس  .  من الجنة والناس] تعني أن الجِنة والناس صنفان من الناس. وقد وجدتّ أحد المفسرين ذهب إلى ذلك الرأي: (الجنة والناس) صنفان من الناس، لكن ليس الملائكة. من وجهة نظري الإنس والجن والملائكة أصناف من البشر.

قال الرازي: وقال قوم: [من الجنة والناس] قسمان مندرجان تحت قوله (في صدور الناس) لأن القدر المشترك بين الجن والإنس يسمى إنسانًا، والإنسان أيضًا يسمى إنسانًا، فيكون لفظ الإنسان واقعًا على الجنس والنوع بالاشتراك، والدليل على أن لفظ الإنسان يندرج فيه لفظ الإنس والجن ما روي أنه جاء نفر من الجن فقيل لهم: من أنتم؟ قالوا: ناس من الجن. وأيضًا قد سماهم الله رجالاً في قوله: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذن برجال من الجن).

وقد قلتُ من قبل بأن [الرتبة الخَلْقية] تعني بمنتهى البساطة [البشر]. فلا يوجد رتبة خلقية أخرى غير البشر. ف الإنس والجن والملائكة هم ثلاثة أصناف من البشر، حسب درجة الكمال والنقص.

أما نزول الملائكة من السماء فهو بمنتهى البساطة أحد أمرين:

أ-الولادة الجديدة على الأرض.
ب-نزول بعض الرسل السماويين لأداء بعض المهام على الأرض.

وهكذا فإن معنى ملائكة هو: أ-البشر المتطورون [خالقي الأرض]، أو ب-البشر الأرضيون الكاملون.

هذا، وقد ذهب الموقع الشهير يميناً ويساراً، في تعليل لماذا تم ذكر [فبأيّ آلاء ربكما تكذبان] في آية [13] دون عَوْد الضمير على مُظْهَر. ولم يجد مخرج من هذه المعضلة.

الإنسان = الإنس + الجن + الملائكة

الإنس والجن: بشر ناقصون [متكاملون]، الملائكة: بشر كاملون.

ناقص = غير كامل = متكامل

الإنسان في سورة الرحمن تساوي الإنس والجان.

الرحمن  .  علم القرآن  .  خلق الإنسان  .  علمه البيان

الرحمن  .  علم القرآن  .  خلق الإنس والجان  .  علمهما البيان

المقال سيستغرق 5 دقائق لقراءته. وهو واضح، وفقراته غير مضغوطة.
أرجو أن يعود المقال بالنفع على الإخوة القراء.

والآن إلى نَص الفتوى:

==================================================

المراد من التثنية في قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان)
الثلاثاء 10 شوال 1438 - 4-7-2017
رقم الفتوى: 355489

السؤال:

في سورة الرحمن لاحظت ملاحظة جميلة، وهي كالتالي: ذكرت آية: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) في السورة مكررة 31 مرة، ومن الواضح فيها أن التثنية تعود على الإنس والجن، لكن السؤال هنا: لماذا ذُكرت أول آية: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) رقم 13، مع أن أول ذكر للإنس والجن، جاء بعدها مباشرة، وليس قبلها، وكان من المفترض أن يأتي قبلها؟ أرجو الرد، وشكرًا.


الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه، أما بعد:

 فإن الخطاب في الآية جاء بصيغة التثنية، فحمله كثير من أهل العلم على خطاب الثقلين: الجن والإنس معًا، وحمله بعضهم على خطاب الإنس فقط، ولكنه جاء على ما عرف عند العرب من خطاب الواحد بخطاب المثنى، كما في قول امرئ القيس:
 
قفا نبك ...

وقول الشاعر:

فإن تَزجُراني بابن عفانَ أنزجِر. . . وإن تدعاني أَحم أنفًا مُمَنّعا.

ويدل لترجيح القول الأول، دخول الثقلين في كلمة الأنام، وتوجيه الخطاب إليهما صريحًا، فيما سيأتي من قوله: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ {الرحمن:31}، وقوله: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ {الرحمن:33}، وقوله: يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ {الرحمن:35}.

  فقد جاء في تفسير الطبري: فإن قال: لنا قائل: وكيف قيل: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) فخاطب اثنين، وإنما ذُكر في أول الكلام واحد، وهو الإنسان؟ قيل: عاد بالخطاب في قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) إلى الإنسان والجان، ويدل على أن ذلك كذلك، ما بعد هذا من الكلام، وهو قوله: (خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجان من مارج من نار).

وقد قيل: إنما جعل الكلام خطابًا لاثنين، وقد ابتدئ الخبر عن واحد؛ لما قد جرى من فعل العرب، تفعل ذلك، وهو أن يخاطبوا الواحد بفعل الاثنين، فيقولون: خلياها يا غلام، وما أشبه ذلك، مما قد بيناه من كتابنا هذا في غير موضع. اهـ.

وفي تفسير القرطبي: قوله تعالى: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) خطاب للإنس والجن؛ لأن الأنام واقع عليهما، وهذا قول الجمهور، يدل عليه حديث جابر المذكور أول السورة، وخرجه الترمذي، وفيه: ( لَلْجن أحسن منكم ردًّا). وقيل: لما قال: (خلق الإنسان)، (وخلق الجان) دل ذلك على أن ما تقدم وما تأخر لهما. وأيضًا قال: (سنفرغ لكم أيه الثقلان)، وهو خطاب للإنس والجن، وقد قال في هذه السورة: (يا معشر الجن والإنس).

وقال الجرجاني: خاطب الجن مع الإنس، وإن لم يتقدم للجن ذكر، كقوله تعالى: (حتى توارت بالحجاب)، وقد سبق ذكر الجن فيما سبق نزوله من القرآن، والقرآن كالسورة الواحدة، فإذا ثبت أنهم مكلفون كالإنس، خوطب الجنسان بهذه الآيات، وقيل: الخطاب للإنس على عادة العرب في الخطاب للواحد بلفظ التثنية، حسب ما تقدم من القول في (ألقيا في جهنم)، وكذلك قوله:

قفا نبك ...

فأما ما بعد (خلق الإنسان)، و(خلق الجان) فإنه خطاب للإنس والجن، والصحيح قول الجمهور. اهـ.

وقال ابن الجوزي في زاد المسير في علم التفسير: قوله عز وجل: فبأي آلاء ربكما تكذبان. فإن قيل: كيف خاطب اثنين، وإنما ذكر الإنسان وحده؟ فعنه جوابان، ذكرهما الفراء:
أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين، كما بينا في قوله: ألقيا في جهنم.
والثاني: أن الذكر أريد به: الإنسان والجان، فجرى مجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها.

قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان، وتعليم البيان، وخلق الشمس والقمر، والسماء والأرض، خاطب الجن والإنس، فقال: فبأي آلاء ربكما تكذبان، أي: فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة؛ لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم ما به قوامكم. اهـ.

 والله أعلم.

==================================================
إلى هنا انتهت الفتوى.

المهم بالنسبة للموقع الشهير هو أن يستشهد بأقوال ابن كثير، والقرطبي، والطبري، والشوكاني، وابن القيم. لا أن يكون الجواب منطقياً.
لماذا لم يَذكروا رأي الرازي في [من الجِنة والناس]؟.

أرجو أن يعود المقال بالنفع على الإخوة القراء.
صلاح الحريري
18 فبراير، 2019...الإثنين

أرجو ألا أكون قد أطلتُ...وشكراً.